لماذا لا ينتصر المسلمون رغم أنهم "على الحق" ؟

لماذا لا ينتصر المسلمون رغم أنهم "على الحق" ؟

لماذا لا ينتصر المسلمون دائما رغم أنهم - كما يقولون - على الحق، وغيرهم على الباطل، ونحن نرى أنهم يُهزمون مرات كثيرة..
هذا السؤال طُرِحَ منذ القديم، خصوصا مع وجود آيات عدة تبين أن الله تعالى ينصر المؤمنين، وقد شكلت "غزوة أُحد" عندما انهزم المسلمون أوضح مثال لطرح مثل هذا السؤال.

ويمكن تلخيص الجواب عنه كما يلي:

- أن مخالفة أمر القائد الحازم البصير يؤدي إلى خسارة المعركة، كما حصل في وقعة أحد. وذلك أن المسلمين انتصروا في أول الأمر حينما امتثلوا لأوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وانقادوا لتعليمات قائدهم وأميرهم عبد الله بن جبير - رضي الله عنه - بينما انهزموا حينما خالفوا أمره - صلى الله عليه وسلم - ونزل الرماة من الجبل لجمع الغنائم مع بقية الصحابة. وإذا لم يكن القائد حازما أو كان ضعيفا، فالنصر بعيد.
- عدم الأخذ بالأسباب، فقد بين الله تعالى أن بين أسباب النصر هو تجهيز القوة لذلك : {وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ } [الأنفال: 60 ]
- تمحيص المؤمنين من غيرهم من المنافقين والانتهازيين والمندسين{ وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } [آل عمران: 141]، ذلك أنه إن كان الانتصار على الدوام فهذا قد يدفع الانتهازيين والمنافقين وغيرهم ليكونوا ضمنهم، فكانت الهزيمة ليتبين فعلا الصادق من الكاذب. { ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } [آل عمران: 179].
- حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يُدالوا مرة ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائماً دخل معهم المسلمون وغيرهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انتصر عليهم دائماً لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاؤا به ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة ومنها أن هذا من أعلام الرسل، كما قال هرقل لأبي سفيان هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال ندال عليه ويدال علينا الأخرى، قال كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة.
- أن الله إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا فاستوجبوا منه العز والنصر فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار 
- أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغناء طغياناً وركوناً إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، مما يستدعي ضرورة الرجوع إلى الله، وعدم الاغترار بكثرة الجيش، كما قال تعالى: { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ  } [التوبة: 25] حتى إن أبا بكر نفسه ليقول: لن نٌغلب اليوم عن قِلّة، فلما نظروا إلى قوتهم ونسُوا تأييد الله هُزِموا في بداية الأمر، ثم يحنّ الله عليهم، وتتداركهم رحمته تعالى، فينصرهم في النهاية.


مصادر:
فقه السيرة النبوية لسعيد حوى
- زاد المعاد لابن القيم

تعليقات